أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
29
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثاني : أن الخطاب في « لَكُمْ » للمؤمنين ، والضمير المرفوع في « يَرَوْنَهُمْ » للكفار ، والمنصوب والمجرور للمسلمين ، والمعنى : يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المؤمنين ستمئة ونيفا وعشرين ، أراهم اللّه - مع قلّتهم - إياهم ضعفيهم ليهابوهم ويجبنوا عنهم . الثالث : أنّ الخطاب في « لَكُمْ » للمؤمنين أيضا ، والمرفوع في « يَرَوْنَهُمْ » للكفار ، والمنصوب للمسلمين والمجرور للمشركين ، أي : يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين ، أراهم اللّه المؤمنين أضعافهم لما تقدّم في الوجه قبله . الرابع : أن يعود الضمير المرفوع في « يَرَوْنَهُمْ » على الفئة الكافرة ؛ لأنها جمع في المعنى ، والضمير المنصوب والمجرور على ما تقدم من احتمال عودهما على الكافرين أو المسلمين أو أحدهما لأحدهم . والذي تقوّى في هذه الآية من جميع ما قدّمته من حيث المعنى أن يكون مدار الآية على تقليل المسلمين وتكثير الكافرين ، لأنّ مقصود الآية ومساقها الدلالة على قدرة اللّه الباهرة وتأييده بالنصر لعباده المؤمنين مع قلة عددهم وخذلان الكافرين مع كثرة عددهم وتحزّبهم ، ليعلم أنّ النصر كلّه من عند اللّه ، وليس سببه كثرتكم وقلة عدوكم ، بل سببه ما فعله تبارك وتعالى من إلقاء الرعب في قلوب أعدائكم ، ويؤيّده قوله بعد ذلك : وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ « 1 » . قال الشيخ أبو شامة - بعد ذكره هذا المعنى وجعله قويا - : « فالهاء في ترونهم للكفار سواء قرىء بالغيبة أم بالخطاب والهاء في « مِثْلَيْهِمْ » للمسلمين . فإن قلت : إن كان المراد هذا فهلا قيل : يرونهم ثلاثة أمثالهم . فكان أبلغ في الآية ، وهي نصر القليل على هذا الكثير ، والعدة كانت كذلك أو أكثر . قلت : أخبر عن الواقع ، وكان آية أخرى مضمومة إلى آية البصر ، وهي تقليل الكفار في أعين المسلمين وقلّلوا إلى حدّ وعد المسلمون النصر عليهم فيه ، وهو أن الواحد من المسلمين يغلب الاثنين ، فلم تكن حاجة إلى التقليل بأكثر من هذا ، وفيه فائدة : وقوع ما ضمن لهم من النصر » انتهى . قلت : وإلى هذا المعنى ذهب الفراء ، أعني أنهم يرونهم ثلاثة أمثالهم ، فإنه قال : « مِثْلَيْهِمْ : ثلاثة أمثالهم ، كقول القائل : « عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها » . وغلّطه أبو إسحق في هذا ، وقال : « مثل الشيء ما ساواه . ومثلاه ما ساواه مرتين » . قال ابن كيسان : « الذي أوقع الفراء في ذلك أن الكفار كانوا يوم بدر ثلاثة أمثالهم ، فتوهّم أنه لا يجوز أن يروهم إلا على عدّتهم ، والمعنى ليس عليه ، وإنما أراهم اللّه على غير عدّتهم لجهتين ، إحداهما : أنه رأى الصلاح في ذلك ؛ لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك ، والأخرى أنه آية للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم . والجملة على قراءة نافع تحتمل أن تكون مستأنفة لا محلّ لها من الإعراب ، ويحتمل أن يكون لها محلّ ، وفيه حينئذ وجهان : أحدهما : النصب على الحال من « كم » في « لَكُمْ » أي : قد كان لكم حال كونكم ترونهم . والثاني : الجرّ نعتا لفئتين ، لأنّ فيها ضميرا يرجع عليهما ، ما قاله أبو البقاء . وأمّا على قراءة الغيبة فتحتمل الاستئناف ، وتحتمل الرفع صفة لإحدى الفئتين ، وتحتمل الجرّ صفة لفئتين أيضا ، على أن تكون الواو في « يَرَوْنَهُمْ » ترجع إلى اليهود ، لأنّ في الجملة ضميرا يعود على الفئتين .
--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية ( 25 ) .